top of page

في سوريا: كيف تحوّل الصمت من وسيلة نجاة إلى أسلوب حياة

  • info5144197
  • 6 يناير
  • 2 دقيقة قراءة

لم يكن الصمت في سوريا خيارًا ثقافيًا، ولا صفة اجتماعية متجذّرة كما يظن البعض.كان الصمت، في بدايته، وسيلة نجاة.


في ظل نظام لا يتسامح مع السؤال، ولا يحتمل الشك، ولا يفرّق بين الرأي والتهديد، تعلّم الناس أن الكلام مكلف.كلمة واحدة في المكان الخطأ، أو أمام الشخص الخطأ، قد تغيّر حياة كاملة.وهكذا، لم يعد الصمت ضعفًا، بل أصبح مهارة.

في السنوات الأولى، كان الصمت استجابة عقلانية للخطر.الناس لم يصمتوا لأنهم لا يفكّرون، بل لأنهم يفكّرون كثيرًا.يفكّرون في العواقب، في الاحتمالات، في من يسمع، وفي من قد ينقل.


رجلان يجلسان في صمت متوتر في مساحة مفتوحة، يرمزان إلى الخوف المكبوت وفقدان الثقة والصمت كوسيلة بقاء في سوريا
في سوريا: كيف تحوّل الصمت من وسيلة نجاة إلى أسلوب حياة

لكن مع الوقت، تغيّر شيء أعمق.الصمت لم يعد مرتبطًا بالخوف المباشر فقط، بل بدأ يتسرّب إلى طريقة التفكير نفسها.

لم يعد الإنسان يسأل نفسه: هل من الآمن أن أتكلم؟بل أصبح يسأل: هل يستحق الأمر أن أتكلم أصلًا؟

وهنا تحوّل الصمت من وسيلة نجاة مؤقتة إلى أسلوب حياة دائم.


في سوريا، تعلّم الناس أن الكلام لا يغيّر شيئًا، وأن التعبير لا يحمي أحدًا، وأن الصراحة غالبًا ما تُكافأ بالأذى.وبالتدريج، لم يعد الصمت مفروضًا من الخارج فقط، بل أصبح قرارًا داخليًا.


الطفل يتعلّم الصمت قبل أن يفهم السياسة.يتعلّم أن بعض المواضيع لا تُناقَش.أن بعض الأسئلة لا تُطرَح.أن الفضول قد يكون خطيرًا.وأن الذكاء الحقيقي هو أن تعرف متى تصمت.

في المدرسة، لا يُكافأ السؤال، بل يُكافأ الالتزام.وفي العمل، لا يُقدَّر الرأي، بل الطاعة.وفي المجتمع، لا يُشجَّع الاختلاف، بل الانسجام الصامت.

هكذا، يكبر الإنسان وهو يحمل داخله خريطة كاملة لما لا يجب قوله.

مع مرور السنوات، لم يعد الصمت مجرّد غياب للكلام، بل أصبح طريقة في الوجود.طريقة في التفاعل.طريقة في التفكير.


الناس يتجنّبون النقاشات العميقة.يتفادون التعبير عن الرأي بوضوح.يستخدمون التلميح بدل التصريح.ويميلون إلى العموميات بدل المواقف الواضحة.


حتى في المساحات التي يفترض أنها آمنة، يبقى الصمت حاضرًا.في البيت.بين الأصدقاء.داخل العائلة نفسها.

ليس لأن الخطر ما زال موجودًا بالضرورة، بل لأن الذاكرة النفسية لم تتعلّم بعد أن الكلام لم يعد جريمة.


الأخطر من ذلك أن الصمت يبدأ في إعادة تشكيل الشخصية.الإنسان الذي لا يعبّر، لا يتدرّب على التعبير.والذي لا يقول رأيه، يبدأ في الشك بقيمته.ومع الوقت، لا يعود الصمت مجرّد غياب صوت، بل غياب حضور.

في بيئة كهذه، يصبح الغضب مكتومًا.الإحباط غير معلن.والطموح محدودًا بما لا يلفت الانتباه.


كثيرون لا يتخلّون عن أحلامهم لأنهم لا يملكونها، بل لأنهم تعلّموا أن الحلم بصوت عالٍ خطر.وأن الطموح المرئي قد يكلّف أكثر مما يستحق.


حتى بعد مغادرة سوريا، لا يختفي هذا الصمت بسهولة.يهاجر الجسد، لكن الصمت يهاجر معه.

في بلدان تسمح بالكلام، يجد كثيرون صعوبة في التعبير.يتردّدون قبل إبداء الرأي.يعتذرون قبل أن يتكلّموا.يخفّفون من حدّة أفكارهم.ويشعرون بعدم الارتياح حين يُطلب منهم أن يكونوا صريحين.

الصمت الذي كان يومًا درعًا، يتحوّل إلى قيد.


التحرّر من هذا الصمت لا يعني الكلام الدائم، ولا المواجهة المستمرة.بل يعني استعادة القدرة على الاختيار.

أن يعرف الإنسان متى يصمت لأنه يريد، لا لأنه خائف.ومتى يتكلّم لأنه يؤمن، لا لأنه مضطر.


استعادة الصوت هي عملية بطيئة.تبدأ بالاعتراف بأن الصمت لم يكن عيبًا، بل كان تكتيكًا للبقاء.لكنها تتطلّب أيضًا الشجاعة للاعتراف بأن هذا التكتيك لم يعد صالحًا للحياة الجديدة.


الصوت لا يعود فجأة.يعود بالتدريج.في جملة صغيرة.في رأي صريح.في رفض مهذّب.في سؤال لم يُطرَح من قبل.

وفي اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان باستخدام صوته دون خوف، يبدأ الصمت في فقدان سلطته.


عندها فقط، يتحوّل الصمت من أسلوب حياة مفروض، إلى خيار واعٍ.وعندها، يبدأ الخروج الحقيقي من القفص غير المرئي.

 
 
 

تعليقات


bottom of page